أبي منصور الماتريدي

549

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من بعث ولا غيره . ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم ، على حكمة خرج فعله ، لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ، ولا ينهاهم ، ولا يمتحنهم بأمور . وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى « 1 » من الدلالات والآيات من الازدواج والتوالد والتناسل وغير ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى : قال بعضهم : إن حرف ( ما ) متى قرن بالفعل الماضي ، صار بمعنى المصدر ؛ كأنه قال : وخلق الذكر والأنثى ؛ فيكون قسما بجميع الخلائق ، إذ لا يخلو شيء من أن يكون ذكرا وأنثى . وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه « 2 » - : والذكر والأنثى ، وكذلك روي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قرأ كذلك . وقال بعضهم « 3 » : ( ما ) هاهنا بمعنى « الذي » ؛ كأنه قال : والذي خلق الذكر والأنثى ؛ فيكون على هذا الوجه القسم بالله تعالى ، وعلى التأويل الأول بالذكر والأنثى . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى : قالوا : على هذا وقع القسم ، فإن قيل : إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم لمختلف ؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك ؟ فالوجه فيه - والله أعلم - : [ أن ] « 4 » ما يقع لهم بالسعي ، وما يستوجبون به لمختلف في الآخرة ، وهو جزاء السعي ؛ كأنه قال : إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف ، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد - عليه الصلاة والسلام - فنحن أحق بها من أتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلم كقوله : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [ الكهف : 36 ] . أو يكون قوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره ، ويضر نفسه في الظاهر ، والممسك ينفع نفسه ، ثم المعطي محمود عند الناس ؛ فلو لم يكن عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى ، ويضر البخيل المنع ، لكان الناس بما حمدوا هذا وذموا الآخر سفهاء ؛

--> ( 1 ) في ب : من الأنثى . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 37420 ) . ( 3 ) قاله الحسن أخرجه ابن جرير ( 37428 ) ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 604 ) . ( 4 ) سقط في ب .